عبد الملك الجويني
315
الشامل في أصول الدين
سبيل إلى توهم وقوع شيء من ذلك على قرب من المسافة . فإذا وضح سقوط الاستدلال ، فقد تكلم أهل اللغة على الآية . فقال بعضه : المراد بقوله : فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] أي في أمر اللّه ، واستشهد بقول كثيّر : ألا تتقين اللّه في جنب عاشق * له كبد جرى عليك مقطع معناه : في أمر عاشق . وذكر بعض الأئمة أن المعنى بالجنب : المخالفة ، والجنب والمجانبة ينبئ عن البعد ، وهو المعنى بقوله : والجار الجنب ، أي البعيد سببا ونسبا ، الملاصق دارا . ومنه يسمي الذي تلزمه مجانبة القرآن ، والمكث في المساجد جنبا . والجانب هو القطر الواقع نبذة من العظم . ومعنى قوله : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] أي في ازدياد البعد من أوامره . وقد يقال : جنبت فلانا عن الشيء إذ أبعدته عنه ؛ وهو المعنى في قوله تعالى بالإنباء عن إبراهيم عليه السلام حيث قال : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ إبراهيم : 35 ] . ويقال : جنبه وأجنبه ، وجنبه فتجانب ، وتجنب واجتنب . وأحسن القول في ذلك أن المعنى بقوله : فِي جَنْبِ اللَّهِ فيما يتصل بأمره وشرائعه التي شرعها لعباده ، وحقوقه المفترضة ، وحدوده المنقسمة إلى ما لا يقرب كالمحرمات ، وإلى ما لا يبعد كالمقدورات ؛ فيتعين صرف الجنب إلى حقوق اللّه تعالى المتصلة بأوامره وزواجره . ومن أدل الدليل على ذلك : التفريط وذكره ، إذ التفريط إنما يقع في الحقوق المفترضة ، والواجبات المتحتمة ، ولا يتقرر تفريط على غير هذا الوجه . وإطلاق الجنب والمراد به الجناب ، والاتصال بحقوق من أضيف إلى الجنب شائع ذائع ، مغن بظهوره عن الاستشهاد عليه . إذ يقول القائل : إن فلانا ليعيش في جنب فلان ، ويلم في جنبه شعثه . ومما يقع السؤال كثيرا قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] . وقد افترق الأئمة في وجه الكلام على الآية ، فتمنع بعضهم عن تأويلها وأجراها على تنزيلها ، ولكن مع القطع بنفي الجهات ، والمحاذيات ، والكيفية ، والكمية ، وهذا القائل لا يستبعد أن يكون في القرآن أسرار لا يطلع عليها الخلائق ؛ والرب تعالى مستأثر بعلمها . وإنما يجوز هذا القائل ذلك مع الاعتراف بأن المغيب عن الخلق من المعاني المكنونة ، المستأثر بعلمها المصونة ، لا تكون مما تمس الحاجة إليه في عقد أو قضية تكليف . وربما تشبث هؤلاء بقوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [ آل عمران : 7 ] الآية . وقد عد أبو عمرو وكثير من الأئمة القراء الوقف على اسم اللّه من العزائم ، وقدروا قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [ آل عمران : 7 ] ابتداءً واستباقا .